محمد هادي معرفة

387

التفسير الأثري الجامع

وغيرهما من آيات ، فتحمل على أحد وجهين : أحدهما : تخصيص عموم هذه الآيات بغير من يموت على الجحود ، فإنّ آيات الإحباط أخصّ نسبة من هذه الآيات ، والخاصّ يصلح مخصّصا للعامّ ؛ فيصبح الكافر الجاحد محروما من الأجر إطلاقا ؛ في هذه الحياة وفي الآخرة ! ثانيهما : أن تبقى عمومات الأجر والجزاء على حالها في التعميم : « الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ » ، غير أنّ المثوبات الأخرويّة خاصّة بالمؤمنين ، فالكافر كالمؤمن يرى خير عمله ، لكن في هذه الحياة فقط . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » . وهذا الوجه الثاني أوفق بعمومات الأجر ولقانون العدل والإنصاف ؛ قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ « 2 » . فمن رحمته الواسعة هو عمومها للكافر والمؤمن مقيّدة بهذه الحياة الدنيا ، أمّا في الآخرة فهي خاصّة بالمؤمنين . وقال : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا « 3 » . وقال : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ « 4 » . والخلاصة : الثابت - يقينا - من حبط أعمال الكفّار هو اندثارها هباء في دار أخرى حيث لا حظّ لهم فيها ولا نصيب ! قال تعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ . مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ « 5 » . وقال : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ « 6 » .

--> ( 1 ) القصص 28 : 83 . ( 2 ) الأعراف 7 : 156 . ( 3 ) مريم 19 : 63 . ( 4 ) الحديد 57 : 21 . ( 5 ) الشورى 42 : 19 - 20 . ( 6 ) البقرة 2 : 200 - 202 .